الرئيسية » قضايا دينية » الدين في زمن الثقافة الرقمية هل حقا ستكسب المؤسسات الإسلامية بالغرب الرهان؟

الدين في زمن الثقافة الرقمية هل حقا ستكسب المؤسسات الإسلامية بالغرب الرهان؟

الدين في زمن الثقافة الرقمية: هل حقا ستكسب المؤسسات الإسلامية بالغرب، الرهان ؟ وأي دور سيلعبه نموذج التدين المغربي في هذه المعادلة؟

بقلم، الأستاذ منير بوحوت.

 

حاصل على ماجستير من جامعة كوبنهاكن

              Intercultural and Regional studies

تخصص، الهجرة، الإسلام بالغرب، وفقه الأقليات المسلمة.

 

يفرض هذا الموضوع ملحاحيته وراهنيته ويستفز بلا شك العقول النيرة لمناقشات أكاديمية تستجلي خباياه.

إبتداءا أود التأكيد على أن الدراسات في هذا المجال تؤكد أن الإسلام كدين يعرف انتشارا كاسحا عابرا للأوطان Transnational Islam، ولا أحد يجرؤ على إنكار دور الثقافة الرقمية في هذا الزحف، التي وبالرغم من أنها متاحة بنفس الحجم لكل الأديان، مسيحية ،يهودية أو غيرها، يظل الإسلام أكثر الأديان انتشاراً.  ويؤكد الباحث Thomas Csordas على أن من أسباب انتشار بعض الأديان أفضل من بعضها، هو طبيعة الدين نفسه، بحيث يكون لهذا الدين “ممارسة محمولة” “Portable Practice” و”رسالة قابلة للإنتقال” “Transmissible Message

وفي تقديري الشخصي فالسبب يعود إذا استثنينا -سوء تسويقنا مؤسساتيا لهذه الرسالة الخالدة- الى الوعد بالتمكين كما يدل على ذلك الخطاب القدري المبثوث بين ثنايا آيات القرآن وأحاديث السنة النبوية وإلى هذه الكاريزما وتلكم الجاذبية التي تتمتع بهما الإسلام كدين بما يرشحه أن يكون البديل الحقيقي لحيرة الإنسان المعاصر.
إلا أنه و حتى لا نظل مستأسرين بالخطاب  القدري الذي وعٓدٓ الله فيه هذا الدين بالتمكين والنصر، فنخلد بذلك الى الكسل ونركن إلى واقع العدمية، أود أن ألفت الأنظار الى أن ثمة خطاب شرعي يأمرنا أن نكون السواعد الحقيقية التي تحمل أمانة التبليغ والشهود الحضاري لهذا الدين تمسكا بأهدابه، إعتقاداً به وتجديدا لخطابه، وبتعبير السسيلوجي Alain  Touraine ينبغي أن يتحول كل واحد منا إلى ما يسميه ب “الذات الفاعلة” ويمكن أن نسميه من منظور إسلامي ب “الذات الفاعلة المسلمة” وهي التي تحمل أمانة الإسلام حتى ولو غابت المؤسسة التي تمثله كما هو الحال في البلدان التي نعيش فيها نحو المسلمين كأقليات في أوروبا وأمريكا.

 

من ثنائية ‘الإسلام والغرب” الى ثنائية “الإسلام بالغرب”:

أدى تواجد المسلمين المكثف بالغرب الى تحول من حديث عن ثنائية “الإسلام والغرب” الى حديث عن ثنائية جديدة هي “الإسلام بالغرب” حيث لم يعد الإسلام يقترن بالمغرب أو المشرق كدين مستورد، وإنما بدين كجزء من المكونات الهوياتية للمجتمعات الغربية يخضع لعملية إعادة تفكير باستمرار Rethinking Islam، حيث يفرض استقرار الإسلام بين غير المسلمين إلى تغيير فهمهم له.
وفي السياق نفسه يؤكد الباحث في شؤون الإسلام والغرب Olivier Roy أن الثنائية الجديدة “الإسلام بالغرب” أسفر عن “تحول المهاجرين من اتجاه ” مسلمي الدياسبورا” الى اتجاه جديد عبارة عن مسلمين ذوي انتماء ل”مذهبية إسلامية عالمية منفصلة عن التقاليد الثقافية، والخطاب السياسي لدول المنشأ”،  وقد أدى هذا حسب الباحث نفسه إلى نموذجين للتدين: اسلام “الأصولية الجديدة” وإسلام “الإنسانية اللبيرالية”  وكلاهما  كان تجلياً ل”بحث مستمر عن هوية مفقودة” وطنية كانت أم دينية.
وهذين الإتجاهين حسب الباحث نفسه يأخذان ثلاثة أشكال: الإندماج الإستيعابي، الذوبان في المجتمع، التقوقع والإنعزال.
وعموما فالباحث يتحدث عن اتجاه جديد تلخصه العبارة التالية لصاحبها إدوارد سعيد  : Traveling Islam becomes Travel within Islam، ومعناه أن فهم المسلمين للإسلام على الرغم من اختلاف أعراقهم وقومياتهم يتعرض لتحولات نتيجة هجرتهم وانتقالهم، لا سيما التحولات التي تحدث في ظل العولمة والتفاعلات عبر المحلية (وليس فقط عبر القومية)، إذ العوامل التي تحيط بظاهرة الهجرة المسلمة تؤثر على نمط معايشة المهاجرين لإسلامهم ومراجعتهم له في إطار “الدياسبور”، على اعتبار أن هذه الهجرة جزء من التحولات الإجتماعية الثقافية العالمية التي يتسم بها النظام العالمي.

ترى ما حجم دور المؤسسات الإسلامية بالغرب في مراجعة الإسلام ؟

 

 مأسسة العمل الإسلامي بالغرب: المعيقات والتحديات.

تحت عنوان ظاهرة “أسلمة الغرب” و”إعادة الأسلمة” يجعل السسيلوجي الهولندي Oussama Cherribi إضفاء الطابع المؤسساتي على الإسلام من أبرز تجليات الأسلمة بالغرب، و ذلك من خلال تزايد عدد المساجد، المراكز، المدارس والمؤسسات الإسلامية، والشبكات الاجتماعية، الثقافية والسياسية، وكذا ظهور القادة الدينيين في شكل أئمة يتحدثون باسم المسلمين في القضايا الدينية والإجتماعية، وأضيف إلى ذلك مجالس الإفتاء في أوروبا وأميريكا.ً
غير أنه لطالما أبان الوجود المسلم بالغرب عن وجه غير مشرف في البناء والأداء المؤسساتي بعيدا عن أية رؤى استراتيجية، تنظيم محكم وتخطيط منهجي للمستقبل، ولعل من بين الأدواء الفكرية والمعيقات المنهجية  التي تذكر في هذا السياق، أنه حتى وإن تم تحري مبدأ الشورى في بناء السلطة داخل هذه المؤسسات، انتُهك مبدأ المشاورة في أدائه اليومي بها، وهكذا كان قاب قوسين أو أدنى أن يدّعي رئيس المؤسسة الإسلامية “التفويض الإلاهي” في بناء السلطة،  كما تهاوى الكثيرمنها في داء “الشّخصنة” إذ يصبح ذكر المؤسسة مقرونا باسم الشخصية النافذة فيها الذي  يعتبر المصدر الوحيد للقرار يتدخل في جميع لجانها وشؤونها جلها ودقها، دون اعتبار لحرمة العمل المؤسسي ولا مراعاة للقواعد الدستورية والإجراءات الإدارية، هذا فضلا عن اختلافات مذهبية على مستوى مجلس الإفتاء الواحد بين سلفي وإسلامي…لا تجدي الوجود المسلم بالغرب في شيئ.
وغالبا ما ينبري لتسييرهذه المؤسسات من يملك شرط الأمانة (الورع والتقوى) دون أن يستوفي  شرط القوة (الخبرة والعلم)، والعكس صحيح. “إن خير من استأجرت القوي الأمين” الآية 26 القصص، وهكذا تكون المحصلة النهائية إما أن يتضخم لدى مؤسساتنا خلل في المنهج، وسوء اختيار الأدوات الكفيلة لفهم السياق، وتأطير الشباب تأطيرا دينيا ينسجم مع هذا السياق الغربي،(بما يقتضيه ذلك من تجديد الخطاب الديني، بدءا بمراجعة ونخل الموروث الفقهي وتخليصه من الأفكار المرهقة التي لم تعد مصدر إلهام بل أصبحت معيقات أمام الإندماج الإيجابي)، وإما أن نفوز بمؤسسات تملك من أسباب القوة والدينامية ما يجعلها في تواصل دائم مع المحيط والسياق الغربي من حولها لكنها للأسف لا تحمل من رسالة الإسلام غيرإسمها.

 

في ظل خلل يظل يجثم بكلكله على مؤسساتنا الإسلامية بالغرب بين ثنائية “الماذا والكيف”، في ظل غياب  “ذوات فاعلة مُسْلمة” تصنع الفعل التاريخي داخل هذه المؤسسات، وفي ظل غياب “بيداغوجيا فارقية” في إنتاج الخطاب الديني بالشكل الذي يراعي خصوصية كل فئة وجيل، سنظل نراهن على مؤسسات إسلامية بمثابة أشكال من غير روح ونستبشر خيرا بنتائج أشبه بالسراب.
إن ما يلفت الإنتباه ونحن نناقش مأسسة العمل الإسلامي بالغرب في علاقته مع الثقافة الرقمية هوالصراع بين الأجيال، بين جيل الآباء الذي يحرص على فهم  للإسلام، عن طريق صيانة  وتعزيز العلاقة الثقافية ،الدينية، الاجتماعية والوطنية بدول المنشأ مما ينعكس على أولويات التدين لدى هذا الجيل ، وبين جيل الأبناء والأحفاد  الذي ينخرط ضمن فهم عالمي للإسلام، حيث يرى في عنصري الثقافة والعرق هادمين لممارسة التدين الصحيح،إنه جيل من الشباب المعولم، يؤمن فيه الفرد بأنه جزء من مجتمع أكبر عابر للأوطان قائم على الإسلام ولكن بدون مجتمع وطني محدد كمجموعة مستهدفة.
إن المؤسسات الإسلامية بالغرب تعتبر “ظاهرة سياقية”، يفترض في القائمين على تدبير الشأن الديني للوجود المسلم من خلالها، الإنصات الى نبض هذا الوجود  قصد إنتاج خطاب ديني يُعمَل فيه النص في علاقة مع هذا السياق وهو ميدان يقتضي تخصصا شرعيا فضلا عن تخصص في مجال الإجتماع السياسي، الإجتماع الحضاري والإجتماعية الديني، وإنفتاحا على التجارب الدينية المعتدلة، التي تقبل التعايش والإختلاف والمتجذرة حضاريا كما الشأن للنموذج المغربي.

 

نموذج التدين المغربي المعتدل بين التجذر الحضاري العريق ومساعي التسويق العالمي Global  Marketing  مع نداءات دعمه وتقويته لمواكبة السياق الغربي:

 

إذا كان صاحب “النبوغ المغربي في الأدب العربي” أراد به مؤلفه عبد الله كنون أن يبين تفرد المغرب وتجاوزه التبعية والتلمذة للمشرق في ميدان الأدب العربي، إلى مرحلة من النبوغ والإبداع، فإننا نتحدث داخل إطار الممارسة التدينية بالمغرب عن نموذج مغربي للتدين متفرد له مقوماته وخصوصياته التي تميزه عن نظيره المشرقي.

ففي زمن يغلي فيه العالم بالاضطرابات والصراعات، والطائفية، حيث المسلم يقتل المسلم وغير المسلم، أصبح التدين المغربي قبلة الهائمين يهرعون إليه من كل حدب وصوب من العالم، يرسلون بالأئمة من أجل التكوين والتأهيل إلى المغرب.

نموذج التدين المغربي يقصد به مجموع الإختيار ات التي تختارها الأمة في لحظة من اللحظات وتتمسك بها في خضم الإختيارات الكثيرة وميولات التدين المتعددة، ونقصد بها المذهب المالكي فقها، والمذهب الأشعري عقيدة، والتصوف على منهج الجنيد السالك.

والمتدبر لنموذج التدين المغربي، يلاحظ الإنتقال من تبعية الشرق إلى التفرد واستكمال المقومات الذاتية، وعموما يمكن أن نختصر خصائص هذا التدين بأنه في ظل العقيدة الأشعرية التي يدين بها أهل المغرب، ينعم البلد في الأمان إذ لا نجد اقتتالا  طائفيا ولا دماءا تهرق، فكل الطوائف من إباضية، صفرية، شيعة ومعتزلة بعد أن وجدت بالمغرب عبر التاريخ كان مصيرها الاندثار،  لاسيما بعد الإلتفاف على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية منهجا، وكلاهما لا تكفر الناس بذنوبهم، وهو ما فتح المجال واسعا لإشاعة قيم التسامح والتعايش بعيدا عن التكفير.

 

الفقه المالكي على غير غرار المذاهب الأخرى واسع ورحب، يراعي مقاصد الشريعة، يعتمد المصلحة المرسلة و هي كل مصلحة ليس مشهودا لها بنص ولكنها شيئ مفوض فيه للأمةبشرط أن تدخل في التوجه العام للشريعة الإسلامية، وتنسجم مع مقاصدها حفظا لكلياتها الخمس: الدين والنفس والعقل والمال والعرض.

يعتمد الفقه المالكي كذلك سد الذرائع، و ماجرى عليه العمل بالمغرب وهذا الأخير يشكل 300 مسألة في الفقه وهي مما انفرد به المذهب المالكي المغربي دون نظيره في نسخته المشرقية، وهذا  دلالة على أن الفقه المالكي يهتم بالواقع ويراعيه.

لم يوجد قط مالكيا، ينتمي إلى طائفة من الطوائف شيعيا كان، إباضيا ، صفريا أو معتزليا كما كان الشأن لأتباع المذاهب الأخرى، وهذا كان صمام الأمان لمنع الإقتتال الطائفي.

الخطاب الصوفي المغربي السني الأخلاقي وفق مدرسة الجنيد السالك، يتسم بالبساطة والوضوح والطابع العملي و البعد عن التعقيد، يعتمد التربية والتوجيه الأخلاقي لا الإغراق في الشطحات، يخاطب فئات المجتمع على اختلاف طبقاته وتنوع توجهاته المعرفية، ينأى بنفسه على أن يكون خطابا نخبويا كما هو الشأن للتصوف المشرقي.

حقا إن الممارسة التدينية وفق النموذج المغربي للتدين كما رأينا بعجالة، تتصف بالتفرد والتميز واستطاعت أن تراكم لنفسها مقومات ذاتية عبر عملية التبيئة التي خضعت لها عبر سياقات تاريخية متعددة، مكنتها تبعا لذلك من التحرر من التلمذة للمشرق. هذا التميز  يترجمه الأمن الروحي والمادي الذي نرفل فيه بالمغرب، بعيدا عما قد يدعيه البعض من أن النموذج المغربي للتدين يشكو التنميط لاستفراده بالقرار الديني والفتوى دون غيره من الحركات والجماعات التي تجعل من نفسها منافسا دينيا ومعارضا سياسيا.

 

ونحن نتحدث عن تسويق  النموذج المغربي للتدين إلى الغرب، يثور التأكيد على أن هذا النموذج سارت بذكره الركبان على الصعيد الإفريقي والأوروبي، حيث كانت الدنمارك في بحر هذا الأسبوع -في شخص وزيرة الهجرة و الإندماج- وقبلها فرنسا، بلجيكا وألمانيا.. .. صانعة للحدث بزيارتها الى مركز تكوين الأئمة بالرباط وجلوسها مع القائمين مع الشأن الديني.  وعموما ونحن نتناول هذا الحديث ينبغي أن نستحضر ،معه المعطيات التالية:

إن إلزامية اتباع النموذج المغربي للتدين داخل المغرب كانت مدفوعة بهاجس أمني وسياسي، و تزامن لذلك مع جملة من الإصلاحات التي تمت مباشرتها في الحقل الديني عموما من أجل محاربة البناء العشوائي  في الحقل الديني، وتضييق الخناق على حركات الإسلام السياسي، والحركات الجهادية (لا سيما بعد الأحداث الإرهابية 2003، 2007 و2011(.

يرتبط تسويق النموذج  المغربي بالمتغيرات الدولية، التي ألزمت الدولة للإنخراط في استراتيجية عالمية أطلق عليها الحرب على الإرهاب، لذلك سيراد للنموذج المغربي للتدين التسويق لنموذج إسلام منفتح، متسامح، يؤمن بالتعايش مع الإختلاف.

باستحضار هذين المعطيين، فضلا عما ذكرنا من مقومات أصيلة ينفرد بها على سبيل التميز،  أزعم أنه يحق للنموذج المغربي للتدين أن يترشح عن جدارة لخوض غمار المنافسة مع فاعلين دينيين بالغرب لإرساء خطاب ديني في مستوى تطلعات الغرب وسكانها المسلمين، وهم: فقه الأقليات المسلمة(مجالس الإفتاء بأوروبا وأمريكا)، الإسلام الأوروبي في نسخته الإسلامية(طارق رمضان) أو العلمانية(بسام تيبي)،   وهذا لا يعفينا كباحثين من إدلاء الملاحظات والأسئلة التالية:

ماهي المسافة بين نموذج التدين المغربي، و بين “الإسلام الجديد” الذي تفرضه ظروف الهجرة كما تحدث عنه إدوارد سعيد نقلا عن أوليفيا غوي؟

ماهو الجديد الذي يمكن أن يستدرك به نموذج التدين المغربي على فقه الأقليات أو الإسلام الأوروبي (الإسلاموي المنزع (طارق رمضان))، (العلماني المنزع (بسام التيبي))، (الإنعزالي المنزع(حزب التحرير))

هل الوجود الدائم والمستمر للمسلمين بالغرب يحتاج فقط إلى فتاوى جزئية، أم يحتاج إلى خطاب ديني متكامل ؟

ماهو الطرح الفكري والخطاب الديني للنموذج المغربي للتدين داخل الغرب؟

وإذا تحدثنا عن خطاب بيني(بين المسلمين)، فمن الذي يستهدفه خطاب النموذج المغربي للتدين، علما أن المسلمين ليسوا كتلة متجانسة: فهناك

1- مسلمي الجيل الأول من العمال، الذين يحسبون على نموذج تدين مستورد من دول المنشأ Diasporic Islam، ويلحق بهم من استقدموا بعدهم  عن طريق سلسلة الهجرة Immigration Chain، أو عن طريق التجمع العائلي، family reunion لاسيما من ذوي التحصيل الدراسي الضعيف، أو المنعدم، وهذا الإسلام إما أن يكون عفويا متوارثا، أو رسميا..وفي هذا الإطار يمكن أن نميز بين إسلام مغربي، وإسلام تركي، وآخر باكستاني…الخ. والذي غالبا ما يستعين بأئمة من خارج البلد للحفاظ على الهوية الإسلامية والوطنية من أخطار كل لقاء ثقافي Cultural Meeting، وهذا الإسلام يسميه أستاذي سابقا الباحث “في تاريخ الإسلام وقضاياه بالغرب..” بجامعة كوبنهاجن Jørgen B. Simonsen ب “الإسلام الدفاعي “Defensive Islam

2- مسلمي الجيل الثاني والثالث، وهؤلاء المسلمين يثورون على نمط تدين آبائهم ويرفضون كل خطاب ديني بخصوصيات ثقافية، قومية، أو وطنية مستوردة، وهذا النوع من الإسلام ينطبق عليه نسبيا وصف Jørgen B.Simonsen  ب”الإسلام الهجومي” “Offensive islam“، من حيث أن هذا الجيل على غير غرار آبائه وربما أجداده اقتنع بإنه جزء من المجتمعات الغربية لايخاف من الإندماج فيها إندماجا إيجابيا بحيث يتم إعادة صياغة هويته حسب ما يفرضه السياق الغربي الذي ولد وتربى فيه، فترى أحدهم مثلا يقول أنا أوروبي بالمواطنة، ولكن مسلم دينًا، مغربي ودنماركي، الجنسية، أمازيغي، عربي، وإفريقي الذاكرة، وإنساني عالمي بمبادئه.

وهذا يجعل البعض من الباحثين يطلق عليه Universalist  Islam، وتحت هذا الصنف نميز

بين ثلاث ٱتجاهات أساسية لتواجد المسلمين بالغرب تتفق مع بعضها البعض في نقطة واحدة، وهي رفض وتطهير تدينهم من كل الروابط القومية، العرقية و الوطنية. وهذه الإتجاهات هي:

1- الإندماج Integration الذي فصلنا الكلام فيه تحت وصف “الإسلام الهجومي”٠

2-  الذوبان دينيا ولغويا ضمن قيم المجتمعات الغربية المتغلبة والخضوع لتقاليد بوتقة الصهر Melting-Pot، حيث يتم الإنسلاخ من الهوية الدينية، الثقافية والوطنية لصالح الهوية الجديدة المتغلبة.

3- الإنعزال والتقوقع Segregation، ومثاله الجماعات الإسلامية مثل حزب التحرير الذي يدعو إلى صيغة إسلام الجيتو/ Getto Islam، إسلام منعزل ومضاد لكل اندماج،هذا الحزب يجمع بين الوجود المادي بالغرب و بين هوية إسلامية عابرة للحدود الوطنية. وعلى ذكر حزب التحرير، يذكر كذلك التوحيديون، والمهاجرون.

إلا أن الحديث عن الإسلاميين في الغرب كمستهدف بنموذج التدين المغربي، يستصحب الإدلاء بملاحظتين إثنتين:

1-أن الحركات الإسلامية لما نشأت في القرن العشرين،  شكلت قطيعة مع التقاليد الإسلامية ممثلة في مؤسسة العلماء، واليوم بعد أن أصبحت الإسلاموية في حد ذاتها تقليدا، يتم إعادة التفكير فيها وتفسيرها بالشكل  الذي يتلائم مع السياق الأوروبي العلماني بحيث تقبل بالمواطنة الأوروبية والمشاركة السياسية داخل مجتمعاتهم.

 

2- لم تعد الإسلاموية منتوجا شرقيا ولا مغربيا، يقترن بالشرق الأوسط، أو المغرب، وإنما أصبحنا اليوم نتحدث عن إسلاموية ولدت بالغرب Home-Grown Islamism ، تستفيد من حالة التشظي والإنقسام السريعين نتيجة المناخ المعولم، مما جعل منها حركات إسلاموية لاسياقية Neo-Fundamentalism.

 

تسويق النموذج المغربي للتدين بالغرب ومساعي الدعم والتقوية.

 

يحتاج النموذج المغربي للتدين بعيدا عن ذهاني السهولة والإستحالة، وبفضل مقومات التميز والتفرد التي يمتلكها، إلى امتلاك مشروع فكري واجتهاد فقهي مقاصدي، يرقى إلى درجة الخطاب، وذلك عبر الإهتمام بالمراكز  الفكرية والإفتائية التي تعنى بتدبير الشأن الديني لمسلمي أوروبا، و الموجودة على الساحة الأوروبية، وذلك تحاورا، انتقادا، استدراكا وتشاركا، كمايحتاج الى معرفة دقيقة بأرخبيل العمران المسلم والإسلاموي على اختلاف طوائفه ومرجعياته ما ذكرنا منه وما لم نذكر.

ونضيف إلى ذلك الإستعانة بمراكز بحث سيكولوجية و سسيلوجية، تقيم دراسات إمبريقية و ميدانية لرصد مدى التحسن في أوضاع المسلمين أو عكس ذلك. واعتماد نتائج فقه المآلات والترقب، فضلا عن الدراسات الإستراتيجية المستقبلية.

هذا فضلا عن مراكز تدريس للنموذج المغربي للتدين وذلك بالعواصم الأوروبية تجمع بين الموروث والمعاصر بلمسة مبدعة تستجيب لمتطلبات السياق الأوروبي، كما تستعمل الثقافة الرقمية أسلوبا لها.

يحتاج خطاب التدين على النموذج المغربي بالغرب، أن يتجاوز مواصفات الخطاب البيني(بين المسلمين فقط) بأن نعرف مانريده لمسلمي أوروبا، ليستهدف الآخر بلغته ويناقش مدركاته عن مسلمي أوروبا، ويقترب من مناطق السياسات والإجراءات المحددة التي تستهدف المسلمين، كيف يفكر الأوروبيون؟ ماذا يخططون؟ وماذا ينفذون تجاه المسلمين؟ ماذا عن سياسات فرض الإندماج بالقوة و سياسات مكافحة الإرهاب، و قوانين تقييد الهجرة؟ وكيف نقنع الحكومات الأوروبية بأن الإسلام لا يشكل خطراً على هويتها القومية؟

إن كثيرا من مؤسساتنا الإسلامية في زمن الثقافة الرقمية، ستظل حاضرة شكلا غائبة مواكبةً، وهذا سيؤدي بدون محالة حسب  الباحث في شؤون الإسلام بالغرب Olivier Roy إلى ميلاد تديّن جديد من رحم هذه العولمة والثقافة الرقمية، بنيته الأساسية هي “اللاسياق”، أي فضاء منفلت من أي تحديد أو حدود أو حتى تنميط ضمن خانات إيديولوجية. إسلام منزوع من سياقه الثقافي، ومنفصل عن الخطاب السياسي لدول المنشأ ينزع فيه هؤلاء الشباب المعولَم، ذي التكوين الأكاديمي والتقني العالي، و الذي يعيش حالة أزمة وبحث عن الهوية، الى التطرّف منخرطين ضمن تيار “الراديكالية الجديدة” .Neo-Fundamentalism، هؤلاء الذين يوجهون سهام انتقاداتهم للمجتمعات الغربية العلمانية الليبرالية وكذا للدول والثقافات المسلمة/الإسلامية التقليدية على حد سواء، و التي تعتبر في نظرهم مرتدة عن الدين الصحيح. ويجب تنظيم عمليات إرهابية ضدها كالتي حدثت يوم 11 شتنبر ضد الولايات المتحدة الامريكية.

فهلا حان الوقت ياترى لتصحيح المسار؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *